محمد العربي الخطابي
309
الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي
القول في معرفة طبائع المركّبات وكيف ينبغي أن تركّب وما ينبغي لمن أراد تركيبها أن يقدم ، والحاجة إلى تركيبها قال المؤلف : الذي يحتاج إلى أن نتكلّم فيه أولا ونبيّنه تركيب المعتدل إذ هو أشرف التراكيب ثم أترقّى منه إلى الخارج عن الاعتدال وهو أعظم فائدة وأجلّ منفعة وأغمض صناعة ، لأنّ المعتدل - وإن كان أشرف التراكيب - فمعلوم يكاد لا يجهل تركيبه ، كما أنّ الخارج عن الاعتدال مجهول يكاد لا يعلمه إلا من تدرّب في قراءة الكتب المخصوصة بذلك وارتاض في درس قوانين التأليف ومهر في معرفة طبائع المفردات وتحقّق مواضعها من الدرجات وما في كلّ درجة من الأجزاء الحارّة والباردة واليابسة والرطبة فحينئذ يمكنه علم تركيب الأدوية الخارجة عن الاعتدال ، وهو علم لا يستغني عنه أحد ممن يدّعي هذه الصناعة ، ومن كان منهم خاليا عن هذا العلم لم يوثق علاجه لأنه إذا جهل هذا التركيب في الأدوية فقد جهل المرض ولم يعلمه البتّة ، لأن المرض هو شيء خارج عن الاعتدال ، وقد قلنا إن الاعتدال معلوم وهو تكافؤ الأجزاء ، واستواؤها في الصحة معلوم أيضا وهو تكافؤ الطّباع ، واستواء الأخلاط وثباتها في الاعتدال أن يكون الإنسان لا ينقصه شيء من أموره المعتادة الطبيعية ، فالطبيعة مثل قوة الهضم ، واعتدال اليقظة والنوم وأن تكون جميع الحواسّ على الاستواء من أفعالها المعتادة ، وغير الطبيعية هي الإرادية مثل التصرّف في جميع الحركات نحو القيام والقعود وجميع الإرادات التي يحتاج الإنسان فيها إلى الصحّة ، فإذا كانت هذه كلّها على قوام واعتدال سمّي الإنسان صحيحا ، وهو الاعتدال الإنساني ، وهذا الاعتدال معلوم غير مجهول ، فإذا دخلت آفة على هذا الاعتدال غيّرت وأبطلت بعض هذه الأشياء الإرادية والطبيعية وربّما أبطلتها جملة أو جلّها أو القليل دون الكثير ، ولا يكون ذلك إلا عن انحراف أحد الطبائع بزيادة أو نقصان ، وهذا هو ضدّ الصحة كما أنّ الصحة ضد المرض ، والمرض لا يكون إلا بتعدّي الأخلاط وخروجها عن الاعتدال ، فيجب للطبيب أن يعلم إلى أيّ درجة صار البدن المعتدل من الحرّ أو البرد أو اليبوسة أو الرطوبة كي تكون مقابلته بالأدوية صحيحة ، فإن قال قائل : إنّ هذا أمر بعيد العلم لا يقدر أحد على معرفته ، قلنا له : إن أبطلنا هذا الباب فيجب - ضرورة - أن نبطل معرفة تحقيق قوى الأدوية المفردة إذ لم تعلم حتى جرّبت وامتحنت في الأبدان المعتدلة فوجدت على ما تقدّم لي